المحتال يعرف أن أمامه دقائق، لذلك لا يترك المال في مكانه. يبدأ فوراً بتمريره من حساب إلى حساب. في القضيتين اللتين أعلنت عنهما إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية، جرى هذا بالضبط، والفرق أنهم سارعوا بالإبلاغ.
تبدأ الحكاية الأولى، بحسب إفادة الإدارة، بشكوى تقدم بها مواطن، أوضح فيها أنه تعامل مع صفحة وهمية انتحلت اسم مصرف تجاري، فسُحب من حسابه مبلغ 71 ألف دينار. وفي إفادة ثانية عن قضية أخرى، يتكرر الوصف نفسه تقريباً مع مواطن آخر ، والذي فقد 46 ألف دينار بالطريقة ذاتها. الرجلان لا يعرف أحدهما الآخر، والحكاية واحدة.
تقول الإدارة إن أعضاءها باشروا الفحص الفني وتتبع حركة التحويلات فور تلقي كل بلاغ، وإن التحريات أظهرت أن الأموال لم تستقر في حساب واحد، بل تنقلت عمداً بين حسابات مصرفية متعددة بهدف تمويه مسارها وإخفاء وجهتها النهائية. هذه المرحلة تُعرف في مجال الجرائم المالية بالتمويه وتشتيت الأثر، أو ما يسمى بوضع الطبقات، وفكرتها أن كل تحويل جديد يضيف طبقة فوق الأصل، وكل حساب وسيط يزيد عدد الخيوط التي على المحقق تتبعها. الهدف منها ليس إبعاد المال جغرافياً بقدر ما هو استهلاك وقت من يطارده.
لكن السرعة التي يراهن عليها المحتال هي نفسها ما تفضحه، لأن كل تحويل يُسجَّل بتوقيته ومبلغه وطرفيه. ومع القراءة الفنية الصحيحة، تتحول المتاهة إلى ترتيب زمني يمكن تتبعه حتى آخر حساب لامس المال. وهذا ما انتهت إليه القضيتان، استُرد المبلغان كاملين، 71 ألفاً في الأولى و46 ألفاً في الثانية، أي 117 ألف دينار عادت إلى أصحابها.
النتيجة تستحق التوقف فالتتبع لا ينطلق إلا بعد وصول البلاغ، وكل دقيقة قبله تعمل لصالح المحتال وتمنحه طبقة إضافية في السلسلة. المطاردة نجحت هنا لأنها بدأت والمال ما زال داخل النظام المصرفي.
وأكدت الإدارة أن عمليات البحث والتحري مستمرة للكشف عن هوية أصحاب الصفحات الوهمية وضبط المشتبه بهم، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع النيابة المختصة.
والأسلوب نفسه يستحق الوقوف عنده، لأن الضحيتين لم يُخترق جهازاهما ولم تُكسر لهما كلمة مرور. رأى كل منهما شعار مصرفه ولغته الرسمية، فتصرف كما يتصرف أي عميل وقدّم بياناته حين طُلبت منه. هذا هو انتحال هوية المؤسسة، المحتال ينتحل الاسم والشعار من مصرف قائم، فيوفر على نفسه أصعب جزء في العملية، وهو إقناعك بأنه جدير بالثقة في ثواني، مستخدما الثقة التي بناها المصرف في سنوات.
وفي رصدنا في تحقّق، هذه الصفحات نادراً ما تنتظر أن تعثر عليها. كثير منها يصل إلى الضحية عبر إعلان ممول، بمعنى أن أحدهم دفع مالاً ليضع الطُعم أمام عينيك تحديداً. ثم تأتي الخطوة التي تتكرر في أغلب الحالات، وهي نقل الضحية من المنشور العام إلى محادثة خاصة على واتساب أو ماسنجر. في التعليقات قد يحذره أحد، وفي المحادثة الخاصة لا يوجد أحد سواه وسوى من يخاطبه.
وما جرى للرجلين ليس استثناء. ففي التقرير الشهري الأول لتحقّق، وثّق فريق الرصد خلال يوليو 2026 وحده 107 حالات رقمية استُخدمت فيها هوية 14 مصرفاً ليبياً، أي أن أكثر من نصف المصارف المرخصة من مصرف ليبيا المركزي وجدت اسمها يُستخدم ضد عملائها، كما تشير تقديرات فريق الرصد لدى تحقق أن هذه الإعلانات استهدفت عما لا يقل عن 300 ألف شخص وهو عدد كبير جدا يعكس مدى عمليات الدفع التي يقوم بها المحتالين للوصول لضحاياهم.
تبقى في القصة زاوية تمر سريعاً في نص البيان وتستحق أكثر مما أخذت. عبارة "تنقلت الأموال بين حسابات مصرفية متعددة" تعني أن هناك حسابات استقبلت المال في الطريق، وتلك الحسابات ليست فراغاً، فلكل واحد منها صاحب واسم ورقم وطني. معظمها قد يخص أشخاصاً حقيقيين لم يسرقوا أحداً، وافقوا فقط على طلب بدا بسيطاً وهو استقبال وتحويل قيمة مالية وعادة ما يصاحبها إغراء بمنح نسبة بسيطة أو استدراج لتقديم الخدمة مجانا كمساعدة وبحسن نية.
بالرغم من أن من يقبل هذا الطلب يظن أنه يقدم معروفاً، بينما يكون حسابه قد صار حلقة في سلسلة نقل أموال مسروقة. وحين يصل التتبع إلى حسابه، يجد اسمه لا اسم المحتال. حسن النية هنا شيء تنظر فيه جهات التحقيق والنيابة، لكنه لا يمنع أن يجد صاحب الحساب نفسه طرفاً في القضية ومتورطا في قضية احتيال مالي كبيرة، ولا يحول دون تجميد حسابه ريثما تُستكمل الإجراءات. لذلك فالقاعدة العملية بسيطة التي ينصح بها فريق تحقق :
إذا وصلك تحويل من جهة لا تعرفها فلا تلمسه، لا تسحبه ولا تحوّله ولا تتصرف فيه، بل أبلغ مصرفك فوراً واطلب تسجيل الواقعة واحتفظ بما يثبت أنك أبلغت. ولا تسمح لأحد باستخدام حسابك لاستقبال الأموال أو تمريرها مهما كانت صلتك به.
قبل أن تتعامل مع أي صفحة مصرفية، تذكّر أن الإعلان الممول لا يعني الموثوقية، وأن طلب نقلك إلى واتساب أو ماسنجر لإتمام الإجراء إنذار في حد ذاته، وأن المصرف لا يمنحك 24 ساعة قبل إيقاف حسابك عبر منشور، ولا يطلب كلمة المرور أو رمز التحقق أو بيانات البطاقة عبر رابط أو رسالة أو مكالمة. الشعار يُنسخ في ثانية وعلامة التوثيق تُشترى، فتحقق من الصفحة الرسمية نفسها، ولا تستخدم رقماً أو رابطاً ورد في الرسالة بل اتصل بمصرفك من الرقم المدوّن على بطاقتك أو على الموقع الرسمي.
المصادر:
إفادتا إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية بشأن القضيتين.
التقرير الشهري الأول لتحقّق، يوليو 2026.