بين كل مصرف وعميل من عملائه مسافة تُقطع عادة في ثوانٍ معدودة؛ قد تكون مكالمة لمركز الخدمة، أو ضغطة زر داخل التطبيق، أو وقوفًا عند شباك الفرع. في الأوقات العادية تمر هذه العلاقة بسلام دون أن يستوقفنا أسلوبها، لكنها حين تتسع أكثر من اللازم، تتحول إلى فراغ مقلق بين لحظة وقوع المشكلة ولحظة حلها. فراغ ينشأ أحيانًا بسبب بطء استجابة المؤسسة المصرفية أمام ضغط الطلبات وسرعة التحول الرقمي، وأحيانًا أخرى لأن العميل نفسه لا يعرف القنوات الرسمية الصحيحة.
ومهما كان السبب، فإن ما ترصده "تحقق" يؤكد أمرًا واحدًا: أن هذه الفجوة وتوسعها ليس مجرد مساحة خالية، بل هي المنفذ الأسهل للمحتالين للوقوف بين المصرف وعميله والتحدث باسمه.
تستغل عصابات الاحتيال تفاصيل بسيطة جدًا مثل تعطل تطبيق أو تفعيل تطبيق أو رصيد لم يظهر في الحساب أو أي خلل عادة تصطنعه وتروج لتوفير الحل له.
حين يُواجه المواطن هذا التعطل ولا يجد ردًا سريعًا من المصرف أو تحديثا دوريا، أو حين يجهل وجود رقم موحد أو صفحة موثقة، يتصرف ببديهية ويذهب إلى المكان الذي يقضي فيه جل وقته، منصات التواصل الاجتماعي. يكتب اسم مصرفه في شريط البحث، أو يطرح مشكلته داخل المجموعات العامة أملًا في إجابة سريعة. هذا التصرف لا يأتي عن طيش أو استهانة بالأمان الرقمي، بل عن حاجة إنسانية ملحة للحل تلاقت مع نقص في المعلومات حول مكان القنوات الرسمية.
وهنا تحديدًا تبدأ المصيدة إذ يراقب المحتالون هذه المنشورات والتعليقات العامة باستمرار. يظهرون فورًا بأسماء وشعارات تطابق تمامًا حسابات المصارف، وبتصاميم توحي بالاحترافية والحرص على المساعدة وانتحال هوية المصرف.
يقدّمون أنفسهم كـ "فريق دعم فني أو خدمة عملاء"، ويبدأون بسحب البيانات خطوة بخطوة تحت ذريعة "تأكيد الهوية" من أرقام البطاقات وتواريخ انتهائها، إلى رموز الأمان اللحظية التي تصل للعميل على هاتفه، وقد يصل الأمر لإرسال رابط وهمي يشبه تمامًا واجهة تطبيق المصرف. وفي لحظة الارتباك والقلق على المال، يضعف التدقيق لدى المواطن أمام استجابة سريعة تبدو رسمية، ليصحو بعدها على خسارة مالية ونفسية كبرى.
الخطورة هنا لا تقف عند حدود المبلغ المسروق في كل حادثة، بل في العدوى التي تتركها. فكلما استمرت هذه الفجوة قائمة، ازداد لجوء الناس إلى الطرق البديلة غير الآمنة بعد أن تكونت لديهم مخاوف وهواجس، ومع تكرار حوادث السرقة والانتحال، تتآكل الثقة لا بالحسابات المزيفة وحدها، بل بالخدمات الرقمية برمتها. وحين يخاف العميل من الشاشة التي أمامه، يعود خطوة إلى الخلف نحو المعاملات الورقية والوقوف في طوابير الفروع، مما يُعطل سنوات من جهود التحديث وتطوير القطاع المصرفي الذي يستوجب حمايته وتطوير تقنيات مواجهة أي استغلال لهذه الخدمات.
إن هدفنا من فتح هذا الملف ليس إلقاء باللوم نحو طرف بعينه، بل لإغلاق وتقليص هذه الفجوة من الجهتين. فمن ناحية المواطن، يجب أن يستقر في الذهن يقين ثابت بأنه لا يوجد مصرف في العالم يطلب منك رمز التحقق OTP أو كلمة السر أو بيانات بطاقتك الكاملة عبر محادثة خاصة على فيسبوك أو واتساب، مهما كانت الصفحة مقنعة.
ومن ناحية المصارف، أصبح الاستثمار في استيعاب استفسارات العملاء عبر قنوات رقمية سريعة، إلى جانب الملاحقة اليومية للصفحات المزيفة ورصدها والتحذير منها وتنظيم الظهور الرقمي للمصرف، ضرورة لا رفاهية تنظيمية.
من جانبنا في تحقق، نواصل العمل على حماية هذا الفضاء من خلال تقديم أدوات فحص الروابط المشبوهة، وإتاحة دليل للمصارف المنقول عن موقع مصرف ليبيا المركزي، وأيضا نشر أساليب الاحتيال الجديدة أولًا بأول وفقا لما نرصده والتحذير منها. لكننا نؤكد دائمًا أن هذه الجهود تبقى جزءًا من الحل وليست البديل عنه، فكلما اقترب المصرف من عميله واستجاب له، أُغلق الباب في وجه من ينتظرون في منتصف الطريق.