قُبيل منتصف يوليو، لم يكن يريد أكثر من إجراءٍ يوميّ بسيط، فتح تطبيق مصرفه والاطمئنان إلى حسابه، لكن الشاشة هذه المرة بدت مختلفة… إشعار مقتضب يفيد بأن التطبيق قيد التحديث، وأن الدخول غير متاح مؤقتاً. أعاد المحاولة مرة تلو الأخرى، قبل أن يبدأ بالبحث عن تفسير لكنه لم يجد توضيحا ومع تصاعد القلق، لجأ إلى ما يفعله كثيرون في مثل هذه اللحظات كتب اسم مصرفه في فيسبوك بحثا عن حل.
ظهرت أمامه صفحة تحمل اسم “خدمة العملاء” باسم مصرفه بدت مقنعة إلى حد كبير منشورات حديثة، تعليقات تبدو حقيقية، إعلان ممول يتصدر نتائج البحث، وصور وفيديوهات مصممة باحتراف، لم يكن هناك ما يثير الشك للوهلة الأولى. أرسل رسالة، فجاءه الرد سريعاً من شخص يتحدث بثقة، وطلب منه اتباع خطوات “لإعادة تفعيل الحساب وحل مشكلة التطبيق” وخلال دقائق فقط، أصبح تطبيق حسابه المصرفي في يد المحتالين.
في وقت قصير جداً، اختفى من حسابه 100 ألف دينار ليبي، إضافة إلى 5 آلاف دولار.
هذه ليست قصة متخيلة، ولا سيناريو تدريبيا، بل واحدة من الحالات التي تعامل معها فريق “تحقق” خلال شهر يوليو 2026. تواصل الفريق مع الضحية واستمع إلى تفاصيل ما حدث، الذي أكد أنه تعرض لعملية احتيال في لحظة لم يتوقعها حاول الفريق إقناعه بتوثيق قصته ونشرها لتكون خسارته درساً يحمي الآخرين، لكنه رفض وفضّل الصمت، وهو قرار مفهوم فكثير من ضحايا الاحتيال لا يخشون الخسارة المالية بقدر ما يخشون نظرة المجتمع إليهم، والشعور بالحرج أو اللوم.
وتشير دراسة صادرة عن هيئة معايير التجارة الوطنية البريطانية إلى أن 32% فقط من ضحايا الاحتيال يبلغون السلطات، ما يعني أن غالبية الحالات تبقى خارج نطاق البلاغات الرسمية. وترتبط هذه الفجوة بمشاعر الخجل والخوف من اللوم والوصم، وهو ما دفع الهيئة إلى إطلاق حملة "لا لوم ولا خجل" لتشجيع الضحايا على الإبلاغ فالصمت لا يحمي الضحية، بل يحجب معلومات مهمة قد تساعد الجهات المختصة على كشف الأنماط المتكررة ومنع استهداف ضحايا جدد.
لكن ما تغيّر خلال الأشهر الأخيرة لا يقتصر على حجم الاحتيال، بل يشمل الأدوات المستخدمة فيه ففي 25 يوما فقط من يوليو 2026، رصد فريق "تحقق" أكثر من 80 إعلانا انتحاليا استهدف مستخدمي الخدمات المصرفية حيث لاحظ الفريق أن هذه الإعلانات لم تعد تعتمد على صور رديئة أو نصوص ضعيفة، بل أصبحت تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الخداع.
تُولد الصور اليوم بجودة عالية، وتُنشأ الفيديوهات لتبدو كمواد دعائية رسمية، وتُكتب النصوص بأسلوب متقن ولغة سليمة ونبرة تشبه البيانات الصادرة عن المؤسسات المالية. وفي بعض الحالات، بدت هذه المواد أكثر احترافية من المحتوى الحقيقي الذي تنشره الصفحات الرسمية للمصارف.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين جودة الاحتيال، بل أصبح جزءاً من بنيته التشغيلية، إذ يقلل تكلفة الإنتاج، ويختصر الوقت، ويتيح إنشاء عشرات النسخ المختلفة للإعلان الواحد خلال دقائق، مع تغيير الصياغة والصور والعناوين باستمرار لتجنب أنظمة الكشف.
والأخطر من ذلك، ما رصده فريق “تحقق” من إعادة تصميم شعارات المصارف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو برامج التصميم، مع إدخال تعديلات طفيفة يصعب على المستخدم العادي ملاحظتها، مثل تغيير سمك الخط أو شكل أحد الحروف أو درجة اللون. هذه التعديلات، رغم بساطتها، تجعل الشعار يبدو متطابقاً تقريباً للعين البشرية، لكنه يختلف تقنياً بالنسبة لأنظمة الكشف الآلي.
وقد ساعدت هذه الحيل الإعلانات الاحتيالية على البقاء لفترات أطول قبل إزالتها، إذ أصبحت أقل تشابهاً مع المحتوى الذي سبق الإبلاغ عنه، ما يمنح كل حملة فرصة جديدة للانتشار رغم تشابه الرسالة والهدف.
ومن خلال متابعة البلاغات، لاحظ فريق “تحقق” أن الاستجابة لإزالة هذه الإعلانات لا تزال قائمة، لكنها تواجه تحدياً متزايداً. فكل تعديل يُجريه المحتالون يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويمنحهم وقتاً إضافياً للوصول إلى مزيد من الضحايا قبل إيقاف المحتوى.